
هاشم بن عوف في “سودان بودكاست”: شهادة من داخل مطبخ السلطة عن كيف ضاعت الثورة قبل أن تبدأ الحرب
لم يكن ظهور المهندس هاشم محمد بن عوف، وزير البنى التحتية والنقل السابق، في برنامج سودان بودكاست مجرد استعادة لسيرة شخصية أو تقييماً عابراً لتجربة وزارية. بل جاء الحوار أقرب إلى تشريح عميق لجسد الثورة السودانية، وكشفٍ صادم لما جرى في كواليس الحكم الانتقالي، حيث تداخلت المحاصصة، وضاعت القيادة، وتكسّرت أحلام بناء الدولة على صخور السياسة الملوثة.
الحلقة، التي قدّمها الإعلامي ربيع سراج، بدت كأنها شهادة للتاريخ من رجل جاء من عالم الكفاءة الصارمة إلى فضاء السياسة المرتبك، فوجد نفسه في مواجهة منظومة أعجز من أن تُصلح، وأضعف من أن تحمي نفسها من الانهيار.
المأساة الشخصية… حين تختصر الحرب وجهها الحقيقي
استهل بن عوف حديثه من نقطة موجعة، ليست سياسية بل إنسانية خالصة. اغتيال شقيقه، الطبيب بشرى بن عوف، في الأيام الأولى لحرب أبريل، شكّل المدخل الأكثر قسوة للحوار. لم يكن بشرى مجرد ضحية عابرة، بل نموذجاً لجيلٍ عاد إلى السودان بإرادته، حاملاً علماً وخبرة، ليُقتل أمام منزله في مشهد يلخّص انكسار فكرة الوطن ذاته.
في سرد بن عوف، تتحول الفاجعة من حكاية عائلية إلى رمز لفقدان السودان لعقله المهني، ولنزيف الكفاءات التي عادت لتبني فوجدت نفسها في مرمى العبث. الحرب هنا ليست فقط صراع سلاح، بل اغتيالٌ ممنهج للأمل.
من أمريكا إلى الخرطوم: سيرة تكوين لا تشبه السياسيين
على عكس معظم الوجوه التي صعدت في مرحلة ما بعد الثورة، لا ينتمي هاشم بن عوف إلى مدرسة العمل الحزبي. نشأته بين أمريكا والسودان، وقرار والده التخلي عن وظيفة دولية مرموقة والعودة للوطن، أسّسا في داخله قناعة مبكرة بأن قيمة الإنسان ليست في الجواز، بل في الانتماء.
مسيرته المهنية في الولايات المتحدة، حيث بدأ من الصفر كـ Draftsman رغم خبرته السابقة، تكشف عن شخصية تشكّلت في بيئة لا تعترف إلا بالكفاءة. مفهوم “Make Sense” – أن يكون كل شيء منطقياً وقابلاً للتنفيذ – أصبح لاحقاً حجر الزاوية في رؤيته للإدارة العامة، وهي رؤية ستصطدم لاحقاً بجدار الواقع السوداني.
الصدفة التي قادت إلى الوزارة… والثمن الذي دُفع
لم يأتِ بن عوف إلى الوزارة عبر بوابة حزب أو محاصصة، بل عبر عمل مهني جماعي ضمن تجمع مهندسي جامعة الخرطوم، ومنصة سودانيزن التي أعدّت كتيب “الإسعافات الأولية للبنى التحتية”. تلك المبادرة جذبت انتباه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ليجد بن عوف نفسه فجأة داخل مجلس الوزراء في يناير 2020.
لكن الدخول إلى السلطة كشف له سريعاً أن المشكلة ليست في غياب الخطط، بل في غياب الإرادة السياسية، وتعدد مراكز القرار، وتحول الوزارات إلى ساحات صراع بين الأحزاب والمحاور الإقليمية.
الموانئ… حين تُختنق رئة السودان
يُعد ملف الموانئ من أكثر النقاط التي عكست عمق الأزمة. بالنسبة لبن عوف، الموانئ ليست مجرد منشآت اقتصادية، بل “رئة السودان”. ومع ذلك، تحولت إلى رهينة صراعات محورية بين قطر والإمارات ومصر، وتدخلات سياسية عطّلت أي رؤية فنية مستقلة.
قصة ميناء سواكن تحديداً تكشف كيف يمكن لفرصة استراتيجية أن تضيع بسبب حسابات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية. فالقرار لم يكن اقتصادياً ولا هندسياً، بل سياسياً بحتاً، تديره الولاءات لا الدراسات.
الفساد الصامت: ارتزاق اللجان لا نهب الخزائن
أخطر ما كشفه بن عوف لم يكن فساداً تقليدياً فاضحاً، بل ما سماه بـ “ارتزاق اللجان”: لجان شكلية تُصرف لها حوافز ضخمة بلا عمل حقيقي. رفضه التوقيع على حافز مثير للجدل، وما تبعه من محاولة استمالته، يوضح كيف تعمل منظومة الفساد الناعم، التي لا تسرق مباشرة، لكنها تستنزف الدولة من الداخل.
هذا النوع من الفساد، كما يظهر في شهادته، هو الأكثر خطورة، لأنه مقنّع بالقانون والإجراءات.
حمدوك تحت المجهر: فرصة ضائعة لقيادة ثورية
أكثر فقرات الحوار حساسية كانت تقييمه لأداء رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. نقد بن عوف لم يكن شخصياً، بل بنيوياً. فهو يرى أن حمدوك أخطأ حين قبل بحكومة محاصصة، فتحول الوزراء إلى ممثلي أحزابهم لا أدوات لتنفيذ رؤية الدولة.
في لحظة تاريخية كانت تتطلب قائداً يلتحم بالشارع ويخوض معاركه، تصرّف حمدوك – وفق وصفه – بعقلية موظف دولي، مفضلاً التوازنات على الحسم. النتيجة كانت إضعاف هيبة السلطة المدنية، وفتح الباب واسعاً أمام الانهيار.
إعادة الإعمار: حرب ما بعد الحرب
رغم قسوة النقد، لم يغلق بن عوف الباب أمام الأمل. رؤيته لما بعد الحرب تقوم على فكرة أن إعادة الإعمار لا تنتظر وقف إطلاق النار، بل تبدأ الآن، عبر التخطيط، وبناء مجلس استشاري سوداني مستقل، وتحرير القرار من المركزية الخانقة.
هو يؤمن بأن إصلاح السودان يبدأ من البنى التحتية: الطرق، السكك الحديدية، الموانئ، لأنها ليست مشاريع إسمنت وحديد، بل شرايين توحّد الدولة والمجتمع. لكن الشرط الحاسم، في نظره، هو المحاسبية، دونها ستُعاد إنتاج الكارثة.
شهادة لا تُريح أحداً
حوار هاشم بن عوف في سودان بودكاست ليس مريحاً، ولا يقدم بطلاً مثالياً، بل يضع الثورة أمام مرآة قاسية. إنها شهادة رجل حاول أن يعمل بمنطق الدولة داخل نظام لم يقرر بعد إن كان يريد أن يكون دولة.
في كلماته، يتجسد السؤال الأكبر الذي سيلاحق السودانيين طويلاً:
هل ضاعت الثورة لأن الحرب اندلعت؟ أم اندلعت الحرب لأن الثورة أُديرت بلا قيادة؟
سؤال مفتوح… وإجابته ربما تكون الخطوة الأولى في طريق الخلاص.



