
في تاريخ الحركات السياسية، غالباً ما نبحث عن المنشورات والاجتماعات السرية، لكننا نادراً ما نبحث في “رائحة المدن”. في حواره مع “سودان بودكاست”، يعود بنا المفكر حسن مكي إلى الخمسينات، ليس كسياسي، بل كطفل يراقب تحولات السودان من دكان والده في مدينة الحصاحيصا.
سحر الحصاحيصا وتناقضاتها:
لم تكن الحصاحيصا مجرد نقطة على الخريطة؛ كانت مدينة “كوزموبوليتانية” صممها الإنجليز لتكون رئة لمشروع الجزيرة. يصف حسن مكي نشأته كـ “ابن تاجر”، وهي صفة تمنح صاحبها عين الصقر؛ يرى كل شيء ولا يغيب عنه تفصيل. كان الصبي الصغير يشق طريقه يومياً للمدرسة عبر مسارات تتصادم فيها القيم: من “سوق العيش” الصاخب، إلى “حي الحبش” أو كما كان يُعرف شعبياً بحي العاهرات، وصولاً إلى أصوات السينما والبارات المفتوحة.
بين “الأندية” والمسجد:
يغوص الراوي في تفاصيل مدهشة عن إسلام تلك الحقبة؛ لم يكن إسلاماً “حركياً” بل كان فطرياً وسمحاً. والده التاجر كان يصلي في دكانه ويخرج زكاته، لكنه لم يكن يعرف ضيق الأفق. في تلك البيئة، نشأ حسن مكي وهو يرى “الأندايات” (الخمارات الشعبية) بجوار المساجد، ويرى “الأفندية” يرتادون السينما والبارات دون أن يعني ذلك انقطاعاً عن المجتمع.
مكتبة الشعلة: مهد الانطلاقة:
في قلب هذا الصخب، كانت مكتبة الشعلة هي المختبر الحقيقي. هناك، وبينما كان يقرأ المجلات والكتب المستوردة، بدأ يتشكل وعيه النقدي. هذه النشأة المنفتحة هي ما جعلت حسن مكي لاحقاً “صوتاً نشازاً” داخل الحركة الإسلامية؛ فهو لم يأتِ من زنزانة فكرية مغلقة، بل من سوق مفتوح يعلمك أن “الربح” الحقيقي هو فهم الإنسان قبل الأيديولوجيا.
لكن هذه الطفولة المنفتحة، بكل تناقضاتها وثرائها، لم تكن سوى الفصل الأول.
فذلك الفتى الذي تعلّم قراءة الإنسان في السوق، سيجد نفسه لاحقًا في مكان لا سوق فيه ولا مكتبة… بل زنزانة.
في المقال القادم، نخرج من ضجيج الحصاحيصا إلى صمت سجن كوبر، حيث تُختبر الأفكار لا في الكتب، بل بالجوع والمهانة والحرمان.
اقرأ المقال التالي: «شماشة في كوبر.. حكايات الصمود خلف قضبان نظام نميري».



