
بقلم د. عادل عبدالله
عمليات إعادة الإعمار تنطوي على إعادة بناء الدولة وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الصراعات، ويُعتبر التفاعل بين العوامل السياسية والاقتصادية أساسيًا لتحديد آفاق الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما في بيئتنا الإقليمية التي تعجّ بالتنافس والأطماع.
الشروط الأساسية التي ينبغي توافرها كي تتكلّل عملية إعادة الإعمار بالنجاح، أهمها:
توافر الموارد الاقتصادية لإعادة الإعمار، والموارد المالية بالدرجة الأولى.
الطريقة التي تنتهي أو قد تنتهي بها الحرب.
وجود أو غياب عملية سياسية على الصعيد الوطني أو الإقليمي.
الهياكل الاقتصادية والإرث المؤسساتي والمجتمعي، وعلاقات ذلك بالدولة قبل الحرب.
من يعتمد عليه في إعادة إعمار السودان ينبغي أن يكون قد شارك بجهده وفكره ومقدراته في معركة تطهير البلاد من دنس الأوباش، وأبان وفضح وقاوم مخططات الشر، وقدم كل ما يمكن تقديمه للانتصار، فهذا ما يمكنه من تقدير وتحديد شروط الإعمار، لأنه لا سيادة للمهزوم، ومن دون السيادة ستكون إعادة الإعمار استمراراً لأهداف العدو لا العكس.
وعمليات إعادة الإعمار، كامتداد للحرب، هي معركة إرادة مثلما هي معركة وجود.
وقبل عملية إعادة الإعمار علينا طرح سؤال جوهري هو:
ما الهدف الذي كان يُراد تحقيقه من وراء تدمير السودان؟
حتى نصل لكيف يمكن لإعادة الإعمار أن تواجه هذا الهدف، بدلاً من أن تكرّسه أو تقع في شباكه.
فالأهداف المباشرة لمن خططوا لمليشيا المتمردين وأداروا المعركة كانت:
استراتيجياً: الاستيلاء على الدولة أو تنفيذ عمليات تدمير ممنهج لاستنزافها وشل قدرتها على استكمال البناء الوطني.
زيادة حالة من القلق والارتباك السياسي داخل السودان عبر صعوبة سير الأمور الحياتية بعد تدمير البنية السياسية والبنية التحتية.
سياسياً واجتماعياً: فرض عملية إحلال سكاني وتغيير ديموغرافي، والضغط على السكان المستقرين لقبول الوافدين الغرباء الجدد أو الهجرة والنزوح.
اقتصادياً: تدمير البنية الأساسية، ثم تأتي شركاتهم لتصنع من عمليات إعادة الإعمار فرصاً ربحية لرؤوس أموالهم، وإمكاناً لاستكمال تدمير قوى الإنتاج للمجتمع.
إعادة الإعمار عادة أمامها مجموعتان من الأهداف:
أولاً: إعادة أساسيات الحياة إلى الناس بصورة طارئة، وإعادة النازحين والمهجرين للمشاركة في العملية.
ثانياً: تطبيق مشاريع إعادة الإعمار لتشكّل نموذجاً للسيادة، وتحقق للشعب مكتسبات مباشرة آنية تؤدي، على المدى الطويل، إلى الحصول على مكتسبات تنمية سيادية مستدامة شاملة عادلة، تُخرج البلاد من دائرة اقتصاد الأزمات.
المرتكزات الواقعية لنجاح عمليات إعادة الإعمار:
1. الاعتماد بعد الله على انخراط كل القوى والفواعل المحلية في مشاريع إعادة الإعمار، وفي ظل الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتهالكة للسودان، فإن الأولوية والأسبقية يجب أن تكون بدعم مجموعات شبابية وتعاونيات بكل حي لتعمل على توفير حاجات الناس الأساسية، وتأمين مصدر دخل لهم، وإدارة عمليات التنمية بمناطقهم.
2. إقرار الدولة بأن عمليات إعادة الإعمار عمل إنساني بالدرجة الأولى، وله جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، فيتم حصر دقيق وشامل للخسائر التي تعرض لها الناس من المختصين من مجموعات الأحياء، ودعم الاحتياجات الضرورية في الأجل القصير، وإعادة العمل بالمؤسسات الحكومية.
3. ضمان التوزيع العادل للموارد، والتركيز على المناطق الأكثر تضرراً، والبنية التحتية الأساسية: الصحة، التعليم، المياه، الطرق، وسبل كسب العيش للمواطنين.
4. أن يرتبط تصور الدولة لالتزاماتها تجاه المواطن بتحولات بنيوية في الحوكمة والمشاركة والتمويل، حتى لا يكون هناك إعادة إنتاج لمظالم سابقة، ومعالجة مخاطر ومسببات الفساد وسوء إدارة المال العام، وتطبيق سياسات تحقق العدالة، والكرامة، والحق في البقاء، والإنصاف وجبر الضرر، وتعويض الأسر التي فقدت ممتلكاتها أو مصادر رزقها، وتسريع العودة الآمنة، ودمج النازحين واللاجئين، وتوفير برامج دعم نفسي واجتماعي للمجتمعات المنكوبة.
5. إعادة بناء منظومة العدالة وتعزيز سيادة القانون يبدأ من الداخل، من المحاكم الوطنية، ومن إصلاح القوانين، ومن تمكين القضاة المستقلين. العدالة والمساءلة، وتوثيق الانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب، ودعم آليات العدالة الانتقالية لضمان عدم الإفلات من العقاب.
6. فتح باب صندوق لدعم مشاريع الإعمار بما تيسر من موارد نقدية أو عينية أو فكرية أو معنوية، داخلياً من مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والأفراد، وخارجياً من الدول والمنظمات والهيئات، ولا بد من تنظيم والإعلان عن آلية شفافة لتجميع ووصول الأموال والمواد بسهولة للمساهمة في إعادة إعمار السودان.
7. الإشراك الفاعل للمجتمعات المحلية، والاستفادة الذكية المباشرة من الكوادر والمقدرات والأيدي العاملة الوطنية، وتوظيفهم في شركات المقاولات والمكاتب الفنية، فعدد سكان السودان يزيد عن 50 مليون نسمة، يتمتع الكثير منهم بالكفاءات المتنوعة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، مع عدم الفصل بين الإصلاح المادي والإصلاح الاجتماعي، وتعزيز قدرات الولايات على إدارة مواردها بكفاءة، ودعم منظمات المجتمع المدني لتنفيذ مشاريع بالأحياء والفرقان تعيد الحياة للمناطق المتضررة.
8. تنفيذ مشاريع تنمية مستدامة طويلة الأمد تضمن الاستقرار الاقتصادي، لتشكّل استراتيجية متكاملة لإحياء الاقتصاد المحلي وإصلاح النظام البيئي، تشمل دعم التعاونيات الزراعية، وإعادة التشجير، وإزالة التلوث، وإصلاح الخدمات العامة.
9. برامج توعية وتربوية لتناسي الماضي القائم على الكراهية وحب الثأر والانتقام، والدعوة لإشاعة الوعي والسلام بين أهل السودان ليسود الاحترام، وتعود الطمأنينة في أحضان الوطن الواحد بلا أحزاب أو عمليات قبلية بغيضة، والإخلاص للوطن، ليكون الحل في الحل، واللبيب بالإشارة يفهم.
والله أعلم




