التحليلات السياسية والاقتصادية

“شماشة” في كوبر.. حكايات الصمود خلف قضبان نظام نميري



“يا أخوانا بطلوا الهتافات دي.. الناس حيقولوا الشماشة دول لقطوهم من وين؟”. بهذه الجملة الساخرة، يلخص البروفيسور حسن مكي مشهداً لا ينسى من داخل سجن كوبر في السبعينات. مقالنا اليوم عن “إنسان” الحركة الإسلامية تحت وطأة الاعتقال، بعيداً عن صراعات السلطة.


الاعتقال الأول وفقدان “الهيبة”:
في أعقاب انتفاضة شعبان ضد نظام جعفر نميري، وجد قادة المستقبل أنفسهم خلف القضبان. يصف مكي مشهد المعتقلين وقد نال منهم السجن؛ ثياب رثة، شعور شعثاء، وجوع كافر. عندما بدأت “هبة” حماسية داخل السجن وتعالت التكبيرات، لم يلتفت الراحل بكر عثمان سعيد (مؤسس الجامعة الوطنية) للسياسة، بل التفت للمظهر الاجتماعي! كان يخشى أن يظن الناس أن هؤلاء “النخبة” من طلاب الجامعات قد تحولوا إلى “شماشة” (مشردين) بسبب هيئتهم المزرية.


ضريبة الانتماء: المنع من الوظيفة:
لم ينتهِ العذاب بفتح أبواب السجن؛ فالعالم الخارجي كان “سجناً كبيراً” بطريقة أخرى. يروي حسن مكي بمرارة كيف وُضع عليه “فيتو” أمني منعه من أي وظيفة حكومية. تخيل خريجاً بتفوق من كلية الآداب، يجد الأبواب موصدة في وجهه لأنه اختار خطاً سياسياً مغايراً.


التحول إلى “الاحتراف السياسي”:
هذا المنع كان “المنحة التي خرجت من رحم المحنة”. بدلاً من الانخراط في روتين الوظيفة الميرية، تفرغ حسن مكي ورفاقه للعمل التنظيمي والفكري بشكل كامل. هذه الفترة هي التي أسست لما يعرف بـ “تغول التنظيم” على الدولة لاحقاً، حيث أصبح الكادر الإسلامي “محترفاً” في السياسة لأن الدولة رفضت أن يكون موظفاً فيها.

لم يكن السجن نهاية الحكاية، بل كان بوابة لمرحلة أكثر تعقيدًا.
فمن الزنزانة خرجت أفكار، ومن المنع وُلد الاحتراف، ومن التضييق تشكّلت علاقة جديدة بين الدين والدولة والسلطة.
لكن ما لم يُحسم داخل حدود السودان، انتقل لاحقًا إلى ساحة أوسع… ساحة تتداخل فيها الكنيسة، والجغرافيا، والهوية.
في المقال القادم نغادر كوبر إلى الفاتيكان، ونفكك لغز «قبلة البابا» وصراع الأديان في قلب أفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى