التحليلات السياسية والاقتصادية

الإخوان في السودان: من كواليس «التمكين» إلى جحيم الحرب

في حلقة أثارت أكثر مما كشفت اختار برنامج حديث العرب» على قناة سكاي نيوز عربية أن يفتح منبره للمفكر والسياسي السوداني الدكتور المحبوب عبد السلام أحد أبرز الوجوه السابقة في الحركة الإسلامية، والمدير السابق لمكتب الدكتور حسن الترابي. في توقيت يثير تساؤلات مشروعة حول دوافع الطرح وحدود الصراحة، لا سيما في ظل خط إعلامي بات يُقرأ ضمن سياقات سياسية وانتقائية في سرد المشهد
السوداني،
لم يكن الحوار مجرد استعادة للتاريخ، بل شهادة نقدية عميقة من داخل التجربة، حاول فيها عبد السلام تفكيك المسار الذي قاد الحركة الإسلامية في السودان من شعارات «الحرية» إلى واقع «الاستبداد»، ومن مشروع «الدولة الرسالية» إلى أتون الحرب والانقسام.


خطة «التمكين»… من الكمون إلى السيطرة
كشف المحبوب عبد السلام عن وجود استراتيجية محكمة وضعتها الحركة الإسلامية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، عُرفت باسم «خطة التمكين»، هدفها النهائي السيطرة الكاملة على الدولة.
وأوضح أن الخطة قامت على ثلاث مراحل متدرجة:

مرحلة الكمون:
العمل السري طويل الأمد، واختراق مؤسسات الدولة الحساسة، وعلى رأسها القوات المسلحة، عبر عناصر ملتزمة بسرية مطلقة.

مرحلة الظهور:
الانتقال التدريجي إلى النشاط العلني والمشاركة السياسية، دون كشف البنية الحقيقية للتنظيم.

مرحلة التمكين:
الانقضاض الكامل على السلطة، وهو ما تحقق عمليًا عبر انقلاب عام 1989.


وأشار عبد السلام إلى أن زرع عناصر الحركة داخل الجيش بدأ منذ عهد الرئيس جعفر نميري، مع التزام صارم بالكتمان لتفادي رصد الاستخبارات العسكرية.

صدمة السلطة… حين تسقط الشعارات

يروي المحبوب عبد السلام بمرارة كيف قدمت الحركة الإسلامية نفسها بوصفها حركة مقاومة للاستبداد، لكنها ما إن وصلت إلى الحكم بالقوة، حتى تخلّت عن القيم التي بشّرت بها.
وأكد أن أمن الدولة قُدّم على حقوق الإنسان وكرامته، ما خلق فجوة عميقة بين المثال الأخلاقي المعلن والممارسة السياسية الواقعية.

ومن أكثر الشهادات صدمة، حديثه عن إعدام المفكر محمود محمد طه، حيث أشار إلى أن الدكتور حسن الترابي كان يرى فكريًا أن «المرتد لا يُقتل»، لكنه — بحكم موقعه السياسي آنذاك كمساعد للرئيس نميري — انخرط في تبرير الإعدام سياسيًا، في تناقض صارخ بين الفكر والممارسة.


السودان كملاذ للتطرف… «الهدية المسمومة»

تطرق الحوار إلى مرحلة التسعينيات، حين تحوّل السودان إلى ملاذ لرموز التطرف العالمي، مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
وكشف عبد السلام عن كواليس وجود كارلوس في الخرطوم، واصفًا إياه بـ«الهدية المسمومة» التي وصلت من إحدى الدول العربية.

وأوضح أن الحركة الإسلامية، في سعيها لفك العزلة الدولية، فتحت أبواب البلاد لتيارات متناقضة — إسلامية ويسارية — ما جعل السودان ساحة مفتوحة للتطرف الدولي، وأدى إلى تعقيد علاقاته الخارجية وإغراقه في حصار سياسي واقتصادي خانق.


لماذا غادر المحبوب عبد السلام الحركة؟

أكد عبد السلام أن خروجه من الحركة الإسلامية لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكم معرفي وفكري طويل، تعزز خلال إقامته في باريس، واحتكاكه بالفكر العالمي، وتأثره بمفكرين مثل مالك بن نبي.

ودعا قادة الحركة الإسلامية إلى الاعتذار والاعتزال، مشددًا على أن الدولة السودانية بتنوعها العرقي والثقافي والاجتماعي أكبر من أن تحتكرها حركة واحدة، واصفًا محاولة شمول الدولة بأنها «محاولة فاشلة للقبض على الريح».


الحرب الراهنة وتمزيق النسيج الاجتماعي

في ختام الحوار، حذر المحبوب عبد السلام من أن الحرب الدائرة في السودان ليست عسكرية فقط، بل حرب نفسية وإعلامية تُدار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأسهمت بشكل خطير في تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني.

وأشار إلى أن النظام السابق عاد إلى المشهد من بوابة الحرب، بعد أن خرج رموزه من السجون، وأُعيد توظيفهم في خطاب التعبئة والقتال، وهو ما يجعل فرص الحل السياسي أكثر تعقيدًا في المدى القريب.

تمثل شهادة المحبوب عبد السلام صرخة نقدية من داخل البيت الإسلامي السابق، تحذّر من أن السودان يدفع اليوم ثمن ثلاثة عقود من حكم الأيديولوجيا، حيث تحوّل الخلاف السياسي إلى تهديد وجودي يطال المجتمع والدولة معًا.

يبقى السؤال مفتوحًا:
لماذا اختارت قناة سكاي نيوز هذا التوقيت تحديدًا لفتح ملف الحركة الإسلامية، بينما كانت تغضّ الطرف – أو تروّج – لخطاب مليشيا الدعم السريع؟ أهو بحث عن التوازن الإعلامي، أم إعادة إنتاج اصطفافٍ إعلامي يخدم معركة السرد لا معركة الحقيقة؟

> يمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر قناة سكاي نيوز عربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى