
في السياسة السودانية، كثيراً ما تُقال الحقيقة في الجلسات المغلقة قبل أن تجد طريقها إلى العلن عبر تسريب أو تسجيل. الفيديو المتداول للقيادي في المؤتمر الوطني المحلول محمد يوسف كبر فتح باباً واسعاً من الأسئلة، ليس فقط حول ما قيل فيه، بل حول الرسائل السياسية التي قد يكون موجهاً بها إلى أطراف متعددة داخل السلطة وخارجها.
التسجيل الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي حمل رواية صادمة عن كواليس ما جرى في الأيام الأخيرة من حكم Omar al-Bashir وصعود الفريق Abdel Fattah al-Burhan إلى قيادة المجلس العسكري بعد سقوط النظام في 2019.

رواية كبر: البرهان لم يكن في الصف الأول
بحسب ما جاء في المقطع المتداول، يقول كبر إن البرهان لم يكن ضابطاً مؤثراً في مراكز القرار، بل إن دوره كان هامشياً في البداية. ويذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن الإسلاميين كانوا وراء الدفع به إلى موقعه في المجلس العسكري، في سياق إدارة المرحلة بعد سقوط النظام.
هذه الرواية، إن صحت، تعيد رسم صورة مختلفة لكيفية تشكل السلطة في تلك اللحظة المفصلية من تاريخ السودان.
من جلسة خاصة إلى عاصفة سياسية
لكن السؤال الذي يشغل كثيرين:
هل كان الفيديو مجرد حديث عفوي في جلسة خاصة؟
العديد من المراقبين يشككون في ذلك. فمحمد يوسف كبر ليس شخصية عابرة في الحركة الإسلامية، بل هو رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني، وهو موقع يعكس موقعاً متقدماً في هرم القيادة التنظيمية.
كما أن ظهوره وهو يتحدث بنقاط منظمة، ممسكاً بورقة وقلم، يوحي بأن الحديث لم يكن ارتجالياً بالكامل. الأمر الذي دفع البعض إلى الاعتقاد بأن التسريب قد يكون جزءاً من لعبة سياسية أوسع.
رسائل ضغط إلى البرهان؟
في قراءة أخرى، يرى بعض المحللين أن الفيديو قد يكون موجهاً أساساً إلى قيادة الجيش، وعلى رأسها البرهان.
ففي المشهد السوداني المعقد، لم تختفِ العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية تماماً بعد سقوط النظام، بل بقيت محل جدل دائم.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم حديث كبر وكأنه تذكير ضمني بأن صعود بعض القيادات العسكرية لم يكن بعيداً عن دعم قوى سياسية نافذة في ذلك الوقت.
صراع داخل معسكر واحد
لكن الرسالة ربما لا تتوقف عند البرهان وحده. فالمشهد السياسي السوداني اليوم مليء بالتحالفات الهشة والصراعات الصامتة داخل المعسكرات نفسها.
وبينما تحاول قوى مختلفة إعادة ترتيب مواقعها في ظل الحرب والانقسام السياسي، تصبح مثل هذه التسريبات أداة ضغط أو محاولة لإعادة رسم موازين القوى.
فهل أراد الإسلاميون، عبر هذا الفيديو، توجيه رسالة بأنهم ما زالوا لاعباً لا يمكن تجاهله؟ أم أن الأمر لا يتجاوز حديثاً عفوياً خرج من سياقه؟
الحقيقة المؤجلة
حتى الآن، لا توجد إجابات حاسمة.
لكن المؤكد أن التسجيل أعاد فتح ملف العلاقة بين الإسلاميين والجيش، وهو ملف ظل محاطاً بالكثير من الغموض منذ سقوط نظام البشير.
وفي بلد يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، فإن تسريباً سياسياً واحداً قد يكون كافياً لإعادة إشعال الجدل حول من صنع السلطة… ومن يحاول اليوم إعادة تشكيلها من جديد.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون:
هل ما ظهر في فيديو كبر مجرد رواية شخصية… أم أنه بداية فصل جديد من معركة النفوذ داخل الدولة السودانية؟




